rabitasouissi

عدد القراءات اليوم

عدد القراءات اليوم

عدد القراءات اليوم

الجديد
Loading...

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

الفرق بين المنهج والمنهجية




المبحث الأول: المنهج و المنهجية:
كثيرا ما يخلط الناس ، بين ما اصطلح العلماء على تسميته بالمنهجية، و بين ما يعرف باسم المنهج، و يضعون أحدهما موضع الآخر[1]. على الرغم من أن هناك فرق بينهما.
في البداية، سنحاول تحديد المعنى اللغوي و الاصطلاحي (الفلسفي و العلمي)، لكل من المنهج(المطلب الأول) و المنهجية(المطلب الآخر).

المطلب الأول: المنهج
المَنْهج، في اللغة العربية- و يقال أيضا "مِنهاج و الجمع مناهيج"-؛ هو:".. أسلوب يجري العمل بموجبه و على غراره(...) و منهج العمل أسلوبه، مثل procédure و الجمع مناهج".و هو ليس أي أسلوب ،و إنما هو " الأسلوب الواضح المستقيم":هكذا تعرِّفه القواميس .و الراجح أن لفظة " المنهج" مشتقة من النَّهج، بمعنى الطريق أو "الطريق الواضح المستقيم"، مثل"..الشارع المستقيم .. "[2].و في هذا الصدد يقال:".. طريقٌ نَهْجٌ:واسعٌ واضحٌ..و نهَجَ الأمرُ :وضُح.و مِنْهَجُ الطريق:وَضَحُه.و المِنهاج:الطريق". و يأتي النهج أيضا، بمعنى:"..الأسلوب الواضح المستقيم "[3]
و يقابل أو يطابق مصطلح " المنهج" العربي في اللغات الأوروب ية؛ كلمة (méthode) الفرنسية و نظائرها في اللغات الأوروبية الأخرى(مثل=method الإنجليزية) ، و كلها تعود إلى أصل واحد هو الكلمة اليونانية (methodos) المركبة من مقطعين: (odos) بمعنى الطريق، و (méta)التي لها معاني متعددة منها: الاتجاه، و المتابعة، و البحث، و الأسلوب، و النظام، و الدراسة،و المعرفة.و لقد استعمل مصطلح (méhtode) في العهود القديمة و الوسطى الأوروبية، بإحدى المعاني المذكورة سابقا[4]، و لم يأخذ معناه أو مفهومه الحالي- بمعنى "مجموعة القواعد المتبعة في البحث عن الحقيقة و المعرفة العلمية"-، إلا ابتداء من القرن السابع عشر، مع كل من"فرنسيس بيكون"( Bacon )(1561-1626) و "روني ديكارت"( Descartes)(1650-1596) و من تبعهما[5].
وهكذا، و منذ هذا التاريخ، تقريبا انتشر استخدام هذا المصطلح في كل ميادين الحياة، ليدل في أعم معانيه على "..وسيلة لتحقيق هدف ، و طريقة محددة لتنظيم النشاط.و بالمعنى الفلسفي الخاص، كوسيلة للمعرفة.."[6]، أو على " كل طريقة تؤدي إلى غرض معلوم نريد تحصيله "[7].و " بصفة عامة هو الطريقة،بمعنى الطريق الواضح الذي يفضي إلى غاية مقصودة، فيكون المنهج طريقا محددا لتنظيم النشاط من أجل تحقيق الهدف المنشود"[8].
و لكنه استعمل في ميدان التربية و التعليم، ليدل على معنيين اثنين أكثر من غيرهما:
أ‌- الأول: استعمل و يستعمل، رجال التربية و التعليم ، المنهج بمعنى ما يقدم من مواد مختلفة للتلاميذ و الطلاب بالمدارس و الجامعات.فهو يعني في هذه الحالة؛ مجموع المقررات(المواد) الدراسية التي يفرض على الطلاب دراستها في فصل معين أو سنة دراسية معينة أو أكثر. فتدرس مستقلة أو مترابطة مع بعضها البعض[9].و يعتبر هذا المنهج في الغالب،التطبيق العملي لفلسفة المجتمع في الحياة، فيشمل نظرته للحياة و القيم التي يؤمن بها و الأهداف التي يعمل لتحقيقها[10].
ب‌-المعنى الآخر، هو المنهج بمعنى".. مجموع الإجراءات و العمليات الضرورية التي يحتاجها العالم أو الباحث في التعامل مع موضوع للوصول إلى الأغراض المستهدفة"[11]. و بالتالي فالمناهج هي:".. الوسائل و الطرائق التي تستخدم للوصول إلى الحقيقة و يسلكها العقل البشري لكشف غوامض الوجود و فك أسراره و الاقتراب من حقائقه.و من ثم فهي أدوات للتفكير، و لجمع الحقائق و تحليلها و تفسيرها و فهمها"[12].و بلغة أخرى يكون المنهج العلمي هو " ..طريقة تنظيم عملية اكتساب المعرفة العلمية، إنه المبادئ التنظيمية الكامنة في الممارسات العلية للعلماء الذين انخرطوا بنجاح في إنتاج المعرفة العلمية و الإضافة إلى نسق العلمي"[13].
و تستعمل في الجامعات اليوم مناهج متعددة، في الدراسة و البحث و الكتابة و التدريس..و التفسير و الشرح..و التحليل..إلخ. هدفها جميعا مساعدة الدارسين و الباحثين على ضبط خطواتهم، في التعامل مع المواضيع و القضايا المدروسة أو المبحوثة؛ للوصول إلى الأهداف المحددة سلفا للبحث المراد إنجازه.
المطلب الآخر:المنهجية:
يتكون مصطلح المنهجية( "الميثودولوجي")( Methodology/Methodologie)[1]، من لفظين "ميثود"(الواردة أعلاه)، و (logie) بمعنى العلم، أي أنها تعني علم المنهج أو علم مناهج العلوم(science des méthodes des sciences).
هذا من ناحية الاشتقاق اللغوي، أما من ناحية الاصطلاح العلمي،فالمنهجية هي العلم الذي يدرس الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة.و هو علم يندرج ضمن موضوعات "فلسفة العلم" أو الإبستيمولوجيا(Epistémologie)[2].
و من هنا؛ تعرّف المنهجية عادة بأنها:"..هي العلم الذي يدرس كيفية بناء المناهج و اختبارها و تشغيلها و تعديلها و نقضها و إعادة بنائها، يبحث في كلياتها و مسلماتها و أطرها العامة.."[3].و في تعريف ثان مشابه :" المنهجية تعني علم المنهج أي دراسة الطرق و الأساليب العلمية التقنية لعلم من العلوم، على أن تكون هذه الدراسة انتقادية تهدف إلى تحديد المصدر المنطقي، و الأهمية و الأبعاد"[4].و في تعريف ثالث، هي:" أحد فروع المنطق ، و يبحث في مناهج العلوم المختلفة.و لا تبتكر هذه الدراسة طرقا للبحث، و لكنها تدرس فقط المناهج المستخدمة، و ذلك بتحليل بناء العلوم و بدراسة أهدافها و كيفية تميزها و أنواع التعميمات التي تتضمنها و أسسها أو فروضها الفلسفية،و علاقتها بالعلوم الأخرى".."[5].
و عليه، فإذا كان المنهج هو طريقة للوصول إلى هدف معين في ميدان معين.فإن المنهجية هي علم المناهج الصحيحة،أي أنها تبحث في القوانين و الشروط الضرورية للوصول إلى منهج صحيح، يقبله المشتغلون في ذلك الميدان. و بالتالي،تصبح المنهجية بالنسبة للمشتغلين في هذا الميدان( و ليكن البحث العلمي مثلا)؛ هي فلسفتهم في التفكير ، و اتجاههم العام أو طريقتهم (المفضلة) في التفكير و العمل[6].
و لكن كيف يتم وضع أو صياغة هذه الفلسفة أو الرؤية الجماعية؟
يقوم"علم المناهج"، على فكرة بسيطة، مفادها أن العلوم تتشابك في مناهجها بالضرورة؛ نظرا إلى تشابه الطرق التي يتبعها العقل البشري في تحصيله للحقيقة في العلوم.و أنه بإمكان الباحث المتخصص في علم المنطق(الفيلسوف)، و العارف بالمناهج الرئيسية ، أن يتوصل للملامح العامة و الخصائص الكلية المشتركة بين المناهج المتبعة في فروع العلم المتعددة.أي ".. يكشف عن الطرائق العامة التي يسلكها العقل الإنساني في بحثه عن الحقيقة، بتأمله في المناهج التي سار عليها العقل في تحصيله للعلم في مختلف فروع نشاطه"[7]. و قد يتوج ذلك، بصياغتها على " هيئة مذهب في العقل الإنساني من حيث طبيعة اتجاهاته في البحث عن الحقيقة"[8].
و كي نجعل الفكرة أكثر وضوحا، نعيد صياغتها بلغة أخرى، فنقول إن الانتقال من المنهج إلى المنهجية،هو الانتقال من أسلوب العالم، إلى أسلوب الفيلسوف[9]:فالعالم قد يتبع منهجا معينا في دراسة موضوع معين، يعتقد أنه هو الطريق الذي يفرضه العقل أو الموضوع أو هو الطريق التقليدي(المرسوم).ثم يأتي الفيلسوف على إثر العلماء ، فيقارن بين مختلف المناهج التي اتبعوها أو ابتكروها؛ لدراسة موضوع معين.ليكتشف العوامل التي تيسّر النجاح أو تسبب في الفشل..إلخ . ليستخلص من كل ذلك مجموعة من القواعد و الإرشادات- هي ما نسميه بالمنهجية -، يقترح على المشتغلين بذلك الحقل العلمي، أو ذلك الصنف من البحوث العلمية أن يتبعوها و يحذوا حذوها.باعتبار أنها تؤدي – على الأرجح – إلى النتائج المرجوة[10].
و يستفاد من هذا، أن المنهجية ليست قوانين أو مبادئ عامة كلية، يجب على المتخصصين في ميدان من الميادين العلمية، إتباعها و التقيد بها حرفيا أثناء بحوثهم و دراساتهم؛ بل هي مجرد نصائح و إرشادات ، يمكن الأخذ بها كما يمكن تعديلها أو تجاهلها، فهي ليست ملزمة لأحد.فالمبتدئ في كل ميدان، قد يبدأ عمله باستعمال مناهجه الخاصة، غير أنه عندما يثري معارفه و خبرته- بالاحتكاك بزملائه في العمل أو المهنة أو الحرفة -يأخذ في الابتعاد عن مناهجه الخاصة،و يتبنى المنهجية العام لأهل الميدان الذي أصبح ينتمي إليه.و لكنه عندما يبلغ درجات عالية من الاتقان و الخبرة و الشهرة و القوة، يشرع من جديد في الابتعاد عن المنهجية العامة، ليشق لنفسه طريقا أو منهجا، يصبح بدوره- إن وجد الأنصار و الأتباع- منهجية عامة..في ذلك الميدان.
و المهم هنا، هو أن نتذكر أن المنهجية قد تكتسي طابعا إلزاميا في معظم الأحيان و ليس دائما،لأنها – في الغالب- تنبع من الثقافة السائدة، أو الإيديولوجية المهيمنة على ميدان من الميادين: و قد يلتزم بها العامة أقل من الخاصة ( الذين قد يمتلكون قدرات على مقاومتها و مقاومة أنصارها).
و الحاصل هنا،أنه إذا كان المنهج عمل عقلي لا يمكنه أن ينفصل عن العوامل الذاتية و الموضوعية، المؤثرة في الشخص الذي يأخذ بالمنهج المذكور، كما سبق القول أعلاه.فمن الطبيعي،و الحالة هذه، أن تعكس المنهجية؛- باعتبارها علما في المناهج ،أي في تلك العوامل الذاتية و الموضوعية-، وجهة نظر الفئة التي ينتمي إليها عالم المناهج،و تمثل اختياراتها في الحياة و توجهاتها و أهدافها، أو رؤيتها للحياة و الناس و المجتمع..أي تمثل إيديولوجية معينة، قد تشكل ضغطا على الباحثين، و ترغمهم على الأخذ بوجهات نظرهم. و بالتالي،فإذا أردنا البحث عن المنهجية، فسنجدها كامنة في "..صلب اتجاه الباحث أو وجهة نظره أو "فلسفته" في العلم و البحث"[11].


0 commentaires:

إضغط هنا لإضافة تعليق

إرسال تعليق

Blogger Widgets